عظة الأرشمندريت غريغوريوس اسطفان في الأحد 19 بعد العنصرة

الأرشمندريت غريغوريوس اسطفان

عظة الأرشمندريت غريغوريوس رئيس دير رقاد والدة الإله – بكفتين. في 27-10-2019

شفاء نازفة الدّم وإبنة رئيس المجمع (لوقا 8: 40 – 56)

 

باسم الآب والابن والرّوح القدس، الإله الواحد، آمين.

يتكلَّم هذا المقطع الإنجيليّ عن حادثتَين حصلتا في الوقت عينه، أي شفاء المرأة التي تعاني من نزف الدّم منذ أكثر من إثنتي عشرةَ سنة، وإقامة إبنة يايروس رئيس المجمع اليهوديّ. وفي هاتَين الحادثتَين تتوَضَّح أهميّة الإيمان، فنازفة الدَّم آمنت أنّ المسيح قادرٌ على شفائها بمجرَّد أن تلمس هدب ثوبه، فأجابها بطريقته المعتادة «ثقي يا ابنة، إيمانك قد شفاكِ، إذهبي بسلام». ورئيس المجمع أيضًا تحلّى بهذا الإيمان مع أنّ ابنته كانت على شفير الموت، لذلك خَرَّ عند قدمي يسوع طالبًا أن يدخل بيته ليشفيها. يقول القدّيس أفرام السّرياني«كثيرون لمسوا المسيح لكن لم يَنَل أحد شيئًا منه إلّا الذي نال بإيمان». هذا يحصل معنا دائمًا، فنحن نزحم المسيح بطلباتنا، لكن عندما نمرض مثلًا ننساه ونبحث عن أطبّاء ليساعدوننا. إذا حملنا المسيح في داخلنا نسأل مساعدته أولًا قبل أي طبيب، فالله أوجَدَ الأطباء والأدوية بسبب ضعفنا، فلو لم نكن ضعفاء لطلبنا الشفاء من المسيح مباشرةً، وهو كان قد بادرَ إلينا وشفانا من أمراضنا بحسب قوّة إيماننا.

غالبًا ما ننسى أننا موجودون على الأرض مؤقتًا، ونعيش كأنّنا باقون فيها إلى الأبد. لكنّ الإنسان الذي يعيش بحسب الرّوح، يعيش بالتوبة الحقيقيّة، قادرٌ أن يكون يقظًا وعالمًا أنّه ليس لدينا أيّة مدينة باقية في هذا العالم. لم يسمح الله بالمرض والموت ليعذّبنا كما يظنّ البعض، بل ليكونا وسيلةً لخلاصنا. فالمرض يقود إلى الموت، وهدف الموت هو أن يقودنا إلى التوبة. إن أردنا أن نحيا مسيحيًّا علينا أن نعيش هذه التوبة في كلّ آنٍ، فالضّرَر الذي يلحق بنا أو بأحد أقاربنا يجب أن يحثّنا على التوبة. لكن إن زحمنا المسيح بطلباتنا غيرَ مؤمنين، لا ننالُ شيئًا.

عندما وصل المسيح إلى بيت يايروس كانت الفتاة قد ماتت وكان الموجودون يبكون ويلطمون عليها. هذا يشبه حالتنا عندما ننوح معتبرين أنّ الإنسان قد انتهى، غير مفتكرين بالحياة الأبديّة، نفضّل النوح على الراقد عوضًا عن الصلاة من أجله. بعد أن طمأنهم المسيح بأنها نائمة ضحكوا عليه. نحن نؤمن أن من تعمَّد وعاش مع المسيح لا يموت بل يرقد، أي ينام ويكون في حالة انتظار. أمّا ضحك الحاضرين على المسيح يشبه شكَّنا به أي ضعف إيماننا، خصوصًا في تجربة الموت.

يجب أن تكون حياتنا مفعمةً بالإيمان، خصوصًا في حالة الفوضى التي نحياها اليوم. فبدَلَ أن نشاركَ بها علينا أن ننسحب ونصلّي ونتوب، لأنّ كلّ ما يحدث هو بسبب خطايانا. على كلّ إنسانٍ أن يصلّي من أجل نفسه والآخرين، ومن أجل هذا البلد أيضًا. فالعذاب الحاصل ليس بسبب شخصٍ محدّد، لأنّنا كلّنا نحيا الفساد والفوضى في داخلنا، إلاّ أنّ ما يخلّصنا هو الصلاة والتوبة أمام الله.

يحيا الإنسان بحسب أهوائه، طالبًا الكمال على الأرض، لكن كونوا متأكّدين أنّه لن يكون كمالٌ هنا. سمح الله بهذا النقص لئلاّ يكون هذا الكمال فردوسًا على الأرض. عندما نبدأ بالصلاة ندرك أنّ العالم سيظلّ متخبّطًا، وأنّ ما من سبيل نحو الكمال سوى بالتوبة.

لا تكمن أهميّة الأديار في كنيستنا في المساعدات الإجتماعيّة والماديّة، إنّما بطلب رحمة الله للإنسان، وبإرشاده إلى خلاص نفسه. تكتمل حياتنا المسيحيّة في صلاتنا أمام الله، الصلاة بإيمانٍ كالنازفة الدم، والله بدوره قادرٌ أن يغيّر كلّ شيءٍ ويوجّهه دائمًا نحو الخلاص. علينا أن نفكّر دائمًا بخلاص الإنسان، فكلّ ما نحقّقه على الأرض لا قيمة له إن لم يوجّهنا إلى الخلاص. يُشعرنا سلوكنا بحسب وصايا المسيح بنعمته ورعايته لنا، هكذا نحيا مسيحيّتنا بشكلٍ صحيح.