الإرادة الشخصية والطاعة (في عيد القديس إفثيميوس)

الشيخ يوسف الفاتوبيذي

20 كانون الثاني 2018

تعريب بورفيريا هيكل

 

قدّمت لنا القراءة حول حياة أبوَيْن عظيمين، القديس باخوميوس والقديس إفثيميوس، وأفعالهما فرصة تناول بعض المساءل المرتبطة بواجباتنا العملية. أودّ تذكيركم بأنّ الجبل المقدس مرتبطٌ بالقديس إفثيميوس، وبشكلٍ عام بأخوية دير القدّيس سابا. أسّس دير ستوذيون نظامه الروحي بناءً على نظام دير القديس سابا. وقد نقل القديس أثناسيوس، مؤسس حياة الرهبنة المشتركة، هذا النظام عندما انتقل إلى جبل آثوس وما زال هذا النظام متّبعاً حتى يومنا هذا.

 

من الجدير بالذكر أنّ القديسَين كليهما أولَيا أهميةً كبرى إلى الالتزام الصارم لوعي الشخص (ακρίβεια συνειδήσεως) والمراقبة الشديدة للنظام العملي مع التركيز الخاص على الحاجة إلى التخلّي عن "إرادتنا الشخصية" (ίδιον θέλημα)

قد يتصرّف الإنسان وفقاً لإرادته الشخصية بطرقٍ متعدّدة، لكنّ الطريقتَين الأكثر أهمية هما التاليتين:

أ) لأسبابٍ "تأتي من اليمين"، على سبيل المثال، يتبع الإنسان إرادته بحجّة أنّه الأمر الذي حُتِّمَ عليه القيام به.

ب) لأسبابٍ "تأتي من اليسار"، على سبيل المثال، يتبع الإنسان إرادته لأسبابٍ أنانية. الطريقتان كلتاهما مدمّرتان، لكنّ الأولى هي الأكثر خطورة. أمّا الثانية فهي واضحة. فالذي يتصرّف بحسب إرادته الشخصية لإشباع رغباته سيلقى العار. غير أنّ ذلك الذي يتصرّف بحسب إرادته لأسبابٍ "تأتي  من اليمين"، فلا علاج له تقريباً، إذ إنّه من المستحيل أن يقتنع بأنّه يخطئ، لأنّه يتباهى بأنّه تقيٌّ ويجاهد روحيًا. هل قرأتم عن الراهب الذي كان يعمل بحسب إرادته الشخصية لأسبابٍ "تأتي من اليمين" في سيرة القديس باخوميوس؟

 

ما معنى "أن نتصرّف لأسبابٍ تأتي من اليمين"؟ هذا يعني بأنّ الإنسان قادرٌ على أن يخلص كمكافأةٍ عن جهوده الخاصة. غير أنّ خلاصنا، كما شدّدنا مرّاتٍ كثيرة، ليس عمليةً تجارية. فالله ليس طاغيةً يسعى إلى الحصول على شيءٍ ما من الذين يحكمهم ويحرمهم من الإرث إن لم يُعطوه. حتى التفكير في أمورٍ كهذه مضحكٌ ومجدّف.

 

علاقة الرّب بنا هي علاقةٌ أبوية ونحن أولاده. إنّها علاقة أبٍ وابنه بالكامل. لذلك، ليست أفعالنا هي التي تخلّصنا، بل حبّ الله الآب، الحبّ الذي يتدفّق لأولاده الأحبّاء شرط أن يُثبتوا عمليًّا في حياتهم بأنّهم يقدّرون علاقتهم بالربّ كأولادٍ له. هذا هو الهدف من كلّ جهادنا للخضوع لمشيئة الرّب. نحن لا نعمل بهدف جمع الحسنات التي ستجبر الرّبّ على إعطائنا ما هو لنا. هذه معتقدات يعتنقها الهراطقة الغربيون واليهود الذين يتبعون حرفيّة النّاموس.

 

لقد لاحظتم أنّ ذلك الراهب كان يعاني كثيراً، ويُظهر ضبط النفس ويزيد من جهاده، فكان يَتَوقّع أن يحصل على مكافآتٍ أكثر. لكنّ الله لم يرى الأمور على هذا النحو. فبدل الحصول على نعمةٍ أكبر كما ظنّ هو، فقد سكنه الشيطان. حرّره لاحقاً القديس باخوميوس بصلواته.

 

نصادف حالةً مماثلة في حياة القديس إفثيميوس. كان أحد تلاميذه رجلاً شجاعاً وبارعاً وكان الإخوة يحتاجون إليه لحمل الأغراض الضرورية والثقيلة. كان يعرف كيفية القيام بالأعمال اليدوية ويُعتبر الرجل المناسب للوظيفة لأنّه كان مزارعاً. فدعاه القديس وأبلغه بهذا القرار، لكنّ ردّ فعل الراهب كان سلبيًا وراح يخلق الأعذار قائلاً: "أيها الشيخ، لا يمكنني القيام بهذا. فإذا كلّفتني بهذا العمل، سأكون متنقلاً هنا وهناك وسأهمل نظامي والخدم الكنسيَّة ولن أتمكّن من متابعة قانوني الروحي". كان هذا الراهب يستعمل منطقه المعيب، منطق "العملية التجارية" وليس الإيمان. فعزّاه القديس إفثيميوس قائلاً: "كلّا يا بنيّ، هذا لن يحدث. اخترنا لك هذا العمل ونعرف جيدًا ما الذي نفعله. سنصلّي ولن تتحقق مخاوفك، بل على العكس ستسفيد كثيراً من هذا العمل." لم يرغب الراهب بالطاعة مصرّاً على منطقه بأنّه إن لم يحذُ حذو الآباء القديسين وتحمّل مسؤولياتٍ عدّة ومتنوعة، فسوف "يخسر روحه". في النهاية حذّره القديس: "لقد نصحناك بالقيام بما هو مفيدٌ لك يا بنيّ، ولكن بما أنّك ستتبع إرادتك الشخصية، فلا تلقِ اللّوم علينا عندما تحصد ما زرعت". ما إن أنهى القديس كلامه حتّى دخل الشيطان في نفس الرّاهب ورماه على الأرض وأخرجه عن طوره وأخذ يزبد من فمه ويقوم بكلّ الأشياء التي يعطيها الشيطان لخدّامه. شفاه القديس بناءً على إلحاح رهبان آخرين. وحين تعافى، استلم العمل وأبدع به.

 

https://pemptousia.com/2018/01/ch-4-own-will-and-obedience-on-the-feast-day-of-st-euthymios/