المحبة بالحق

إعداد قسطنطين زلالاس
ترجمة ماهر سلوم ونديم سلوم

الجزء الأوّل

المقدمة

عزيزي القارئ،

نعيش في زمنٍ يتميّز بثورة ضد روحانيّة آباء الكنيسة الأرثوذكسيّة الرسوليّة. الإزدياد الملحوظ في أعداء الكنيسة الأرثوذكسيّة المنظورين وغير المنظورين هو إنذارٌ أيضاً. هناك أعداء من الخارج ومن الداخل، والخطر هو أن نصبح مُضطَرِبين، مخدوعين، مُهانين وبارِدين روحيّاً إذا فشلنا أن نُحَصِّن أنفسنا بنهج الآباء القدّيسين المُنقِذ من الضلال. نسمع في هذه الأيام كثيرون يتكلّمون على الخلاص، والمحبة غير المشروطة، والسلام، واللقاء، والفرح، والمشاركة، والوحدة المسيحية، والمسكونية، والمحبة بلا حدود، ونظريّة الأغصان[1]، والخِدَم المسكونية، والصلوات المشتركة، إلخ…

ربما ما ينقص من نظامنا الروحيّ هو بعض الإجابات المباشرة على بعض الأسئلة الجدّية التي يطرحها المؤمنون:

- ألا يجب أن ننسى إختلافاتِنا مع المسيحيّين الآخرين ونركّز على "الأرضيّة المشتركة"؟

- ألَسْنا مُتَعَجرفين في إلتزامنا أن الأرثوذكسيّة هي وحدها الحق؟

- هل الروح القدس موجود في كلّ إنسان بِغَضّ النظر عن إيمانه؟

- هل بإمكاننا زيارة "غير الأرثوذكس” والصلاة معهم بحجّة أنّنا "مثلهم تقريباً"؟

- هل بإمكاننا حضور لقاءات مع غير الأرثوذكس على أساس أنهم يؤمنون بالمسيح ويحبّونه؟

- هل يجب أن نَعبُد الله بالطريقة الصحيحة كي نَخلُص؟

- هل من الأفضل أن يكون الإنسان مسيحيّ غير أرثوذكسيٍّ مُلتَزِم على أن يكون أرثوذكسيّاً خاطئاً وسَطحِيّاً؟

- إن كان الروح القدس ومواهبه موجودين خارج الكنيسة الأرثوذكسيّة فلماذا علينا أن نقوم بمسحة الميرون (ختم الروح القدس) للذين يهتدون إلى الأرثوذكسيّة؟

- هل من المحتَمَل أن قيام الكنيسة بإعادة مسحة الميرون على المُهتدَين الجدد يُعلن بوضوح أن مواهب الروح القدس هي ناقصة في الجماعات المسيحية الباقية؟
 

عزيزي القارئ،

إن كنتَ تجتهد في الإجابة على هذه الأسئلة فأنت لستَ وحدك. إنّ روح الضلال منتشر بما يُضاهي انتشار روح الحركة المسكونية التي تتماشى مع الفكر المسيحي الغربي منذ أكثر من نصف قرن.

كما ذَكَرْنا في بعض أعمالنا السابقة، المسكونية في المعنى الحقيقي هي جعل الإنسانيّة جَمعاء تَتبع حقيقة الإنجيل وأن يأتي كل شخص على هذا الكوكب إلى الحق بذاته، أي المسيح. لكن هذا النوع من المسكونية الذي يقبل أن جميع الإعترافات المسيحيّة هي مُتَساوية، الذي يجمع أجزاءً وأقساماً من هنا وهناك لإيجاد الحقيقة، أو يعلّم أن المحبّة هي الحقيقة بحدّ ذاتها، ويتجاهل العقيدة من أجل السلام، ويزدري بالإختلافات التي تُفَرِّق، هذا النوع من المسكونية هو الإبن الأخير للماسونية والجَدّ الأكبر للمسيح الدجّال، هو تهديد حقيقيّ للكنيسة.

من الطبيعي أن "مُحِبّي الجميع” و"المُحِبّين وصانعي السلام بلا شروط" والضالّين الذي يتبعون هذا النوع من المسكونية سوف يُصَنِّفون رسالتنا بالتَطرّف والمُحافظة والإدانة والعَجْرَفة والتعصُّب والإنتقاد. في بادئ الأمر يمكنكَ ربما أن تَتّفق معهم، بالتالي مَن مِنّا يريد الصراع والفتنة والإضطراب والجِدال إن كان الحب والسلام هما بديلان ممتازان؟

لكن هل أخذتَ بعين الإعتبار أن الأرثوذكسيّة ليست محصورة ببعض الأشخاص أو ببعض الأجيال أو بعض الأماكن؟ الأرثوذكسيّة هي كنيسة المسيح (الكاثوليكيّة) الجامعة والكنيسة المجاهدة، هي في شركة تامّة مع الكنيسة الظافرة، تلك السحابة من الشهود والشهداء والمعترِفين والمعلّمين والقدّيسين والرسل الذين "اختبروا الأرواح" عبر القرون كي يحفظوا لنا الطريق الحصين والثابت الذي يؤدّي إلى التأليه. إن طريقَتَنا في التفكير (phronema) يجب أن تكون امتداداً أو على الأقل تناغُماً لإيمانهم وأفكارهم. إنّ حياتَهم أي "سِيَر القديسين" تشكّل تفسيراً حقيقيّاً للإنجيل، فهم لم يدرسوا الإنجيل فحسب بل عاشوه في جميع تحرّكاتهم. لم يكونوا بالضرورة علماء في الكتاب المقدس، لقد كانوا لاهوتيّين حقيقيّين. إنّ أبناء السكولاستيكيّة والعقلانية اليوم هم سلالة من اللاهوتيّين الحديثين يقومون شيئاً فشيئاً بإبطال سلطة آباء الكنيسة لتبرير مَواقِفهم.

عزيزي القارئ، فَلْنَختبِر الأرواح ولنفهم بشكل كامل إذا ما كانت "روحنا" تتناقض صراحةً مع روح آبائنا القديسين الأصيل، عندها نقع في خطر إطلاق الحَرَم على ذَواتِنا. يجب ألّا ننخدع، لم يفهم أحد حبّ المسيح أكثر من قِدّيسينا. لقد باعوا أنفسهم في الكثير من الأحيان كعبيد ليعطوا الفقراء وكانوا في الوقت ذاته مُستَعِدّين لإراقة دمائهم من أجل الحق.

في محاولة لمساعدة إخوتِنا وأخواتِنا الذين يحبّون الحقيقة، سوف نعرض بضع مقالات وأقوال وإعترافات وآيات قصيرة للعديد من آباء الكنيسة عبر القرون. لكن فَلْنَكُن حَذِرين، إذ بحسب الفكر والمعيار المسيحي المعاصر يمكن أن نجد كلامهم مليء بالإدانة والعجرفة والتعصّب والإنتقاد على الأقل. إحذر يا صديقي ألّا يخدعك أحد. إنّ كلامهم مليء بالمحبة للحق، إنّه يعلن جَليّاً أن لا مجال للمحبة بالمعنى المسيحيّ في غياب الحق.

 


[1]  نظرية الأغصان هو اعتقاد، خارج الأرثوذكسية، أن جماعات مسيحيّة ليست في شركة في ما بينها، يمكن أن تكون أغصان أو تشعّبات من الكنيسة الواحدة. تمّ مؤخّراً التعبير عن هذا الإعتقاد بنظرية "الرئتين" بواسطة كتّاب كاثوليك، او أنه يوجد ثلاث أغصان رئيسية بحسب كتّاب أنكليكان. وفي بعض الأحيان، يطلق كتّاب آخرون تسمية الكنيسة غير المنظورة على "الشجرة" الكاملة. ترفض الكنيسة الأرثوذكسية هذه النظرية. لا تملك كل جماعة تسمّي نفسها "مسيحية" كمال الإيمان. القول أن "الجميع هم نفس الشيء، هناك مسيح واحد، وهناك عدّة طرق للتعبير عن إيماننا به" هو جهل واضح لتاريخ المسيحية، خاصةً المجامع المسكونية

المرجع: http://saintnicodemos.org/articles/loveintruth.php