القدّيسة مكرينا الكبيرة كنموذج لحياتنا

الفئة:قصص روحية

 

(ترجمة ميشال بو صعب)

 

عاشت المغبوطة مكرينا في القرن الرابع، وهي أخت القدّيس باسيليوس الكبير والقدّيس غريغوريوس النيصصي الذي كتب سيرة حياتها المليئة بالأمور التي يمكن الإستفادة منها والتي جعلت منها موضع دراسة على كل الأصعدة. كانت مكرينا البكر في عائلة تتألف من عشرة أولاد، وكانت المثال والدعم لإخوتها. خطب لها والدها رجلًا ما لبث أن إنتقل من هذه الحياة قبل العرس، ففكرت حينها بأنه يجب عليها أن تكرّس حياتها لله فقط، وكان هذا القرار "أكبر من سنّها. "

 

لقّبها القديس غريغوريوس النيصصي "بالكبيرة"، لا لأنها الأكبر سنًّا، بل لأنّها كانت ذي قامة روحيّة كبيرة. بالفعل كانت كبيرة في كل شيء، في التواضع والمحبّة والفطنة والتعقّل والشجاعة. ولهذا السبب ظهرت معلّمةً ومرشدةً روحيّةً لإخوتها وحتّى لوالدتها، القدّيسة إيميليا، التي تكرّست كراهبة في أواخر حياتها في الدّير الذي تولّت القديسة مكرينا رئاسته.

 

كتب القديس غريغوريوس النيصصي بالتفصيل الحوار الذي دار بينه وبين القديسة مكرينا قبل أن تنتقل قدّيستنا من هذه الحياة الوقتيّة حيث كانت طريحة الفراش، كما ووثّق الأحداث التي تلت هذا الرحيل، تحديدًا اختلاط مشاعر الحزن والألم التي غمرته والرّاهبات لرحيلها مع الرجاء بالحياة الأبديّة.

 

حياةُ القدّيسة مكرينا وميلُها يعطياننا الفرصة للإضاءة على التالي:

أوّلًا، أظهرت الطريقة التي واجهت بها مكرينا مرضها واللحظات الأخيرة من حياتها الأرضيّة وموتها الوشيك القيمة العظيمة للإيمان الأرثوذكسيّ، الذي هو نهج حياة وطريقة عيش القدّيسين، وهو ما يسعى للبلوغ إليه من أرادوا قداسة حياتهم.

عندما يمرض الإنسان وتدنو ساعة انتهاء حياته الأرضيّة يظهر عالمه الداخلي، وكل الخفايا والأمور التي كانت محكمة الإغلاق يؤتى بها للعلن. فإذا امتلك النقاوة الداخليّة وإذا كانت تلك الأمور فضائل مستترة بسبب التواضع، ستكون نهايته سلاميّة هادئة وسيرحل وهو يصلّي. أمّا إذا قضى حياته من دون توبة ومغلوبًا من شهواته، حينها ستكون لحظات موته مخيفة وحزينة ومضطربة وعوض أن يصلّي ويتهيّأ لرحلته الكبيرة، سينشغل بالحديث عن الأمور المتعلّقة بهذا العمر الخدّاع، وبالأخص عن شهواته وخطاياه، لأنّه "من فضلات القلب يتكلّم اللّسان."

يترك شعب الله هذه الحياة متهيّئًا بالصلاة والإعتراف والمناولة الإلهيّة، وبالأخصّ برجاء الحياة الأبديّة. في لحظات حياتها الأرضية الأخيرة، كانت القدّيسة مكرينا هادئة وكانت تصلّي ووجهها يشعّ لامعًا لدرجة أنه بدا كوجه ملاك. "في ذهنٍ مترفّع كانت تتفقّه في تلك الأمور المختصّة بهذه الحياة منذ البداية وإلى حين لفظت أنفاسها الأخيرة... وقال إنّه لا بدّ من أن ملاكًا قد اتّخذ شكل إنسان ... وطوّعت كل ميلها وشغفها للإتّجاه نحو المسيح المبتغى وللبلوغ إليه بسرعة متحرّرةً من كل رباطات الجسد... وبعد أن توقّفت عن الكلام معنا، راحت تتكلّم مصلّيةً إلى الله... وصلاتها كانت عظيمة لدرجة أننا لم نستطع أن نشك أنها تكلّم الله وهو يسمع لها" (القديس غريغوريوس النيصصي).

ثانيًا، وكما ذكرنا من قبل، دار بين القديس غريغوريوس وأخته القديسة مكرينا حوارٌ، وأهم ما تحدّثا عنه هو سرّ الموت والقيامة والحياة الأبديّة. إلّا أنّه وقبل أن يبدأ هذا الحوار، يذكر القدّيس غريغوريوس: "حينها أخبرتها عن كل المشاكل التي كانت تواجهني، قبلًا حين نفاني الإمبراطور فالنس من أجل الإيمان، ولاحقًا حين ساد الإرتباك في الكنائس ما وضعني في جدالاتٍ ومتاعب". فسأَلَت: "ألن تضع حدًّا لفشلك في استدراك الأمور الصالحة التي تأتي من لدن الله؟ ألن تتوقف عن المقارنة بين وضعك الراهن وما كان لأهلك من غنى؟ ورغم ذلك أعلم يقينًا أنّه مقارنةً بمعايير هذا العالم يمكننا أن نفتخر خاصةً أننا عشنا وكبرنا في عائلة نبيلة". كما نقول في لغتنا المحكيّة "لقد وضعته عند حدّه" وأوضحت أنّه يجب ألّا يتذمّر بل أن يكون ممتنّاً لله لنعمته وللعطايا التي منحه إيّاها.

بالحقيقة، صلاة الوالدين مهمّة جدًّا وتلعب دورًا رياديًا في حياة كل إنسان. في أحد أفاشين سر الزواج المقدّس هناك تشديدٌ على هذا الأمر حيث نقرأ "لأنَّ صلاة الوالدين تثبّت أساسات البيوت". بالطّبع هذا ينطبق على الأهل الذين يعيشون الإستقامة! لأن الأهل ليسوا هؤلاء الذين يلدون أولادهم بيولوجيًا فقط إذ أنّ هذا الأمر تفعله حتى الحيوانات غير العاقلة. الآباء الحقيقيون هم الذين يعيدون ولادة أبنائهم، ما يعني أنّهم يربّونهم "بتأديب الرب ووصاياه" ويهتمّون بإعادة ولادتهم روحيًا، الأمر الذي يتحقق من خلال انخراط الأولاد في الكنيسة وتقويتهم عبر طريقة الحياة التي تمنحها. لهذا النوع من صلاة الأهل أهميّة كبيرة وهو السبب في النعمة العظيمة والعطايا الغزيرة والبركات التي يمنحها الرب للأبناء.

برزت القديسة مكرينا كطفلة قديسة من أهل قديسين وكعلامة منيرة ونموذجًا حقيقيًا لجميع الذين يبتغون تقديس حياتهم ويطلبون بتواضع شفاعاتها أمام الرب.

 

 

https://www.johnsanidopoulos.com/2014/07/saint-macrina-as-model-for-our-lives.html?m=1

 

 



آخر المواضيع

هذا مِنّي
الفئة : قصص روحية

القدّيس سيرافيم من فيريتسا، روسيا 12/8/2018

عن الحزن والأسى والقلق
الفئة : قصص روحية

الشيخ بورفيريوس 12/1/2018

النشرات الإخبارية

اشترك الآن للحصول على كل المواد الجديدة الى بريدك الالكتروني

من نحن

.لقد اتّخذت هذه الصفحة والمجموعة من القدّيس غريغوريوس بالاماس (1296-1359) شفيعًا لها. تعيّد الكنيسة الأرثوذكسية للقدّيس غريغوريوس بالاماس في الأحد الثاني من الصوم الكبير المقدّس وفي 14 تشرين الثاني

إنّ القدّيس غريغوريوس بالاماس هو من أعظم الآباء القديسين المدافعين عن الإيمان والعقيدة وعن التقليد الرهباني والآبائي المعروف بالهدوئيّة. لقد برز القدّيس غريغوريوس في المجمع الذي عُقِد عامَي 1341 و1351 الذي ثبّت عقيدة التمييز بين جوهر الله غير المُدرِك وبين قِوى الله (أي النعمة) الغير المخلوقة التي يشترك فيها الإنسان من خلال الصلاة القلبية (صلاة يسوع) و ممارسة الفضائل ومن خلال الإشتراك بالأسرار الكنسية المقدسة بخاصةٍ المعمودية والمناولة المتواترة. لقد دحض القديس غريغوريوس بالاماس بتعاليمه هرطقات برلعام الكالابري وأكنذينوس المتأثّرَين بمذاهب اللاتين العقلانية.القديس غريغوريوس بالاماس بتعاليمه هرطقات برلعام الكالابري وأكنذينوس المتأثّرَين بمذاهب اللاتين العقلانيّةّ
 

للإتصال بنا