مواجهة التجارب

الفئة:قصص روحية

الشيخ أفرام فيلوثيو
ترجمة الأب سيرافيم داود

لقد وافى الصّوم الكبير. خلال هذا الفترة، يبدأ العديد من الأرثوذكس إتّباع نظامٍ غذائيٍّ نَباتيّ. كما أنَّ الكثيرين مِنّا سَيَبذُلون جُهداً لِتلاوةِ بعض الصَّلوات كلَّ يومٍ وإلغاء بعض الأمور التي تُشَتِّت الذهن مثل وسائل التواصل الإجتماعيّ، التّلفزيون، واستخدام الإنترنت، من أجلِ إفساح المزيد من الوَقت للصَّلاة والمُطالعة الرّوحيّة.

هذه الأشياء وَحْدُها لا تُخَلِّصُنا. بل هي طَّريقة نستخدمها كي نفَتْح قلوبنا لنعمَة الرّوح القدس.  إنَّ أولئك الذين يأخذون جهادَهم الرّوحي على محمل الجدّ خلال الصّوم الكبير يَجِدونَ أنَّ وتيرة الحرب الشيطانيّة تزداد. هذه الحرب تتجلَّى بِطُرُقٍ مُخْتَلِفة: قد تتجلَّى بِعادات جديدة تُشَتِّت ذهننا بعد أن نتخلّص من القديمة، وبِوابِل من الأفكار التي تأتينا أثناء الصَّلاة والمُطالعة الروحيّة، وغيرها من التجارب التي تبتغي اختبار عَزْمِنا.

كثيرون يتساءلون: لماذا يجب أن نُواجِهَ هذه الجهادات الرّوحيّة؟ أليس من الأفضل بكثيرٍ لو كانَ بإمكان الله أن يُحرِّك عصا سِحْرِيّة فوقَنا ويُبَدِّد هذه التجارب؟ لماذا يجب أن نَخْضَع للتّجارب؟

للردّ على هذه الأسئلة، سأقومُ بِنَشْر خَواطِر وقِصَص لشيخٍ متوشّح بالله إسمُهُ الشيخ أفرام، من كتابِهِ "فنّ الخلاص"1. الشيخ أفرام هو من جبل أثوس، كان الإبن الرّوحيّ للشيخ يوسف الهدوئيّ، وهو حالِيّاً رئيسُ ديرِ في ولايةِ أريزونا.

علينا من ناحيةٍ أن نُقاوم التخيُّلات الشرّيرة ونُجاهِد من أجل طَمسِها قبل أن تَلِدَ فينا أفكاراً دَنِسة. ومن ناحيةٍ أُخرى، فإنَّنا نُبَيّن التزامَنا بالله من خلالِ صَومِنا (بحسب قُدرتنا) وإمساكِنا، مع سَجْداتنا وقانون صلاتنا، إضافةً إلى جُهدِنا في العمل خلال النهار والسهر خلالَ اللَّيل، أنَّنا نَرْغَبُ في أن نَتَنَقّى ونَتَقَدّس.

إنَّ هذه المُحاولات في حدِّ ذاتِها لا تؤدِّي إلى القداسة. بل من خلالها نتعاون مع الله في سبيل تَطْهيرنا. "فَإِنَّنَا نَحْنُ عَامِلَانِ مَعَ ٱللهِ" (1 كورنثوس 3: 9). نحن نعمل معاً مع الله لِنُنَقّي قلوبنا.

*****

سألني الشيخ يوسف الهدوئيّ: "يا بُنيّ، هل تعرف ماذا أفعل؟"

 الشيخ أفرام: "ماذا تفعل، يا أبتِ؟"

الشيخ يوسف: "أنا أجلس وأقوم بِعَمَلِيّة جَرْدِ حِساب كلَّ يوم".

الشيخ أفرام: "ما نوعُ جَرْدِ الحِساب هذا؟"

 الشيخ يوسف: "أجلسُ وأتفحَّص نفسي. أنظُرُ إلى زَلّاتي. ما هي التجارب التي أستسلم لها؟ ما هي الأهواء التي تُسَيْطر عليّ؟ إنّ ضميري يُعْلِمُني بذلك. تُشير البوصلة، "أنني ضَعيفٌ هُنا" وهكذا، أتَّخذ القرار لِمُحاربةِ هذا الهوى في اليوم التالي. في يومٍ آخر سوفَ يُشير ضميري إلى شيءٍ آخر. وسوفَ أُحاربُ ذلك الهوى أيضاً. وبهذهِ الطَّريقة أحاربُ مختلفَ الأهواء، وأرَى تَحسُّناً تدريجيّاً. كان أجدادُنا يقولون: "إِعْمَل أثناءَ شَبابِكَ، كي تتمكَّن من الحُصول على شيءٍ في سنِّ شيخوخَتكَ".

الشيخ أفرام: "ماذا يعني هذا، ياروندا؟"

الشيخ يوسف: "هذه هي ثمرةُ العمل. حارِب الأهواء، الآن وأنتَ شابٌّ. حارِب الأفكار الشرِّيرة. حارِب التخيُّلات. جاهِدْ في إتمام طاعَتكَ. قُمْ بالأشياءِ الَّتي تجدُ صعوبةً فيها. صلِّ خلالَ اللَّيل. كلّ هذه الأعمال والجِهادات هي "العَمَل". إنّها سنوات من العمل. في وقتٍ لاحقٍ، عندما يُمسي الجسد ضَعيفاً ويَعْجَز عن حَمْل السِّلاح، أي عندما تُصبحُ عَجوزاً، وبعد أن تكون قد عَمِلْتَ خلال السَّنوات التي خصَّصها اللهُ لكَ، سيُعطيكَ اللهُ راتِب تَقاعُد. سوف تتلقَّى راتِباً مُماثلاً بحسب مَكانتِكَ ومهاراتِكَ. ما هو هذا الراتِب؟ إنَّها نِعمَةُ الله.

إذا سألتَني الآن عَمّا أشْعُر، سوفَ أُجيبك، "أشعر الآن يا بُنَيّ بالفردوس في داخلي، الصَّلاة تجري فِيَّ على مدار السَّاعة، أشعر بِفَيْضٍ من النِّعمَة. كما أنّني لا أشعر بأيِّ أهواء ناشطة داخلي. لا أثَر لأيِّ هوى. أنا لا أواجهُ أيَّ حربٍ. ليسَ لَدَيَّ أيَّ أفكارٍ شريرة. لا أشعرُ بأيِّ لذة شَهَوانيّة. لم أُتَمِّم كلّ هذه الإنجازات مُؤخَّراً. بل هي ثمارُ عَمَلي منذُ شَبابي. يحصل كلَّ شيءٍ في سنّ الشباب. والآن تأتي المُكافَأَة العادلة".

*****

كانَ راهبٌ شابّ يختبر حَرباً شيطانيَّةً، فتوسَّلَ إلى الله قائلاً: "يا إلهي، أتوسّل إليك أن تُحَرِّرَني من هذهِ المَعركة". استَمعَ اللهُ إلى صَلاتِهِ وحَرَّره. في وقت لاحق، زارَ هذا الراهب الشاب شيخاً ذائع الصيت ذا خِبرةٍ كبيرة فأعلن لهُ بسعادةٍ: "ياروندا، لقد وَجَدتُ الرّاحة من الأهواء".

"ماذا قُلتَ؟"

"لقد وَجَدْتُ الرَّاحَةَ. لم يَعد يُحارِبُني أيِّ شيءٍ البتّة".

نَظَرَ الشَّيخُ إليهِ جيِّداً مُحَدِّقاً في وجههِ باهتمامٍ قائلاً، "هل وَجَدْتَ الرَّاحةَ بسُرعةٍ؟ هل قَبِلتَ بِراتِب مُخَفَّض؟ هذا خَطأٌ كبير! لقد طلبتَ من اللهِ من تِلقاءِ نفسِكَ أن تُعْطى لك هذه الرَّاحةُ. إذهب الآنَ إلى الآباءِ وأطْلُب منهم أن يُصَلُّوا من أجْلِكَ، أن يَتَوسَّلوا إلى الله كي يُرسل لك الأهواء مُجَدّداً، حتَّى تتمكَّن من الجهاد، والتَقَدُّم الروحيّ، والحصول على راتِب كاملٍ يوماً ما - وليس راتِباً سابِقاً لِأوانه!"

هَلْ تفهم ما يُحاولُ هذا الأبُ أن يقولَهُ لنا؟ ليسَ من مَصْلَحَتِنا أن نَجِدَ الرَّاحةَ في وقتٍ مُبْكِرٍ جدّاً، بينما لا نَزالُ في شبابِنا، علينا أن نتعرَّضَ للحروب والأهواء، حتَّى نَتَمَكَّن من القضاء عليها. وعندَما تُمْعِن هذه الأهواء فينا، علينا أيضاً أن نُجاهد ضِدَّها.  يقول القدّيس إسحق السوريّ: "عندما نطلبُ من الله أن نَنجو من مُختلفِ الأهواء، فهو يَتَعمَّد عَدَم الإستجابة لصَلاتنا، لأنَّنا عندما نُجاهد ونَذكر اسم الله، يتقدَّس ويتحرَّرعقلُنا وفَمُنا وقَلبُنا بإسمِ المَسيح. عندما تَكونُ في حالةِ حربٍ، فأنتَ مُضْطَرّ للصَّلاة: "ساعِدْني يا مسيحي، ساعِدِيني يا والدة الإله". هذا الإسمُ الذي تَدْعوه سَيَجلِبُ لكَ القداسة.

*****

كان أحدُ الإخوة يُعاني من حَربِ شهوة جَسَديَّة تُعَذِّبه. وبسبب هذا الهَجوم الفكريّ، كانَ يَسيرُ خارجاً بشكلٍ مستمرٍّ ويَصرخُ، "ربِّي يسوع المَسيح... ربِّي يسوع المسيح!" فَسَألهُ أبوهُ الرُّوحيّ الذي كانَ بَطلاً مُجاهداً وذا خِبرة " يا بُنيَّ، أرى أنَّكَ تُواجِهُ صُعوبَةً. هل تُريد منّي أن أُصَلّي من أجلِكَ، حتَّى تَنتهي الحَرب؟

"لا، ياروندا. رَجاءً، لا تُصَلِّ من أجلي. واسْمَحْ لي أن أبقَى على هذا النَّحو، لأنَّني أكتسب فائدةً هائلة".

"لِيُباركْكَ الرَّبُّ يا بُنَيّ. لقد وَجَدْتَ الطَّريق الصحيح! هذا هو الطَّريقُ إلى الله. هذا ما أرَدْتُ أن أسمَعَهُ مِنكَ. لو أجَبْتَ: نعم، ياروندا، صَلِّ من أجلي حتّى تنتهي الحَرب، لَكُنْتَ قد توقَّفتَ عن نَسْجِ الإكليل الخاصّ بك. يجبُ أن يُزَيَّن الإكليل بالكامل بمجموعةٍ من الأزهار: القُرُنْفُلُ والوُرود وغيرِها. لا تعتَقدْ أبداً أنَّ كلَّ شيءٍ يَكتَملُ بِعَدَدٍ قليلٍ من الأزهار الصَّغيرة. كُلُّ مَن يُفكِّر على هذا النحو هو جَبانٌ".

مع هذهِ الخَواطِر، أُحاولُ أن أتذكّر دوماً أنَّنا لا نَزالُ مُبتدئين في هذا الجهاد ضِدَّ الأهواء. فاللهُ يُرسِلُ لنا هذه الأهواء من أجلِ خَلاصِنا. إنَّهُ لا يُرسِلُ لنا أبداً ما هو غيرُ ضَروريٍّ لِصالِحنا وصالِح إخْوَتِنا وأخَواتِنا. عندَما نَسقُطُ، يجبُ علينا أن نَنْهَض مرَّةً أُخرى. اللهُ يَعلَمُ أنَّنا سَوفَ نَسقط. ولكنْ دَعُونا ألاّ نَستَسلم ولْنَقطَع مَيْدان الصَّوم الكَبيرِ ورحلة حَياتَنا كُلَّها بِفَرحٍ ومُثابَرَة!

 

1- ملاحظة: الكتاب قيد الترجمة

المصدر:

/http://www.orthodoxroad.com/confronting-temptations

 



آخر المواضيع

هذا مِنّي
الفئة : قصص روحية

القدّيس سيرافيم من فيريتسا، روسيا 12/8/2018

عن الحزن والأسى والقلق
الفئة : قصص روحية

الشيخ بورفيريوس 12/1/2018

النشرات الإخبارية

اشترك الآن للحصول على كل المواد الجديدة الى بريدك الالكتروني

من نحن

.لقد اتّخذت هذه الصفحة والمجموعة من القدّيس غريغوريوس بالاماس (1296-1359) شفيعًا لها. تعيّد الكنيسة الأرثوذكسية للقدّيس غريغوريوس بالاماس في الأحد الثاني من الصوم الكبير المقدّس وفي 14 تشرين الثاني

إنّ القدّيس غريغوريوس بالاماس هو من أعظم الآباء القديسين المدافعين عن الإيمان والعقيدة وعن التقليد الرهباني والآبائي المعروف بالهدوئيّة. لقد برز القدّيس غريغوريوس في المجمع الذي عُقِد عامَي 1341 و1351 الذي ثبّت عقيدة التمييز بين جوهر الله غير المُدرِك وبين قِوى الله (أي النعمة) الغير المخلوقة التي يشترك فيها الإنسان من خلال الصلاة القلبية (صلاة يسوع) و ممارسة الفضائل ومن خلال الإشتراك بالأسرار الكنسية المقدسة بخاصةٍ المعمودية والمناولة المتواترة. لقد دحض القديس غريغوريوس بالاماس بتعاليمه هرطقات برلعام الكالابري وأكنذينوس المتأثّرَين بمذاهب اللاتين العقلانية.القديس غريغوريوس بالاماس بتعاليمه هرطقات برلعام الكالابري وأكنذينوس المتأثّرَين بمذاهب اللاتين العقلانيّةّ
 

للإتصال بنا