تَذَكّر خطاياك ولا تَيْأس: عظة في أحد القّديسة مريم المصريّة


جيسي دومينيك

 

صفحة القدّيس غريغوريوس بالاماس
(تعريب جولي سعد)

 

نَحتفل في هذا الأحد بِعيد القدّيسة العظيمة النّاسِكة مريم المصريّة. يمكننا أن نتعلّم من القدّيسة مريم الكثير. تُقَدِّمها الكنيسة لنا خلال هذه الفترة من الصوم كَمِثال أسمى للحياة النُّسكيّة. كان الأحد الماضي مُخَصَّصًا للقدّيس يوحنّا السلَّميّ الذي يُعَدّ كتابه "السُلّم إلى الله" من أسمى النصوص النسكيّة، وهذا الأسبوع نذكر القدّيسة مريم  المصريّة التي تُظهِر لنا سُموّ هذه الحياة. حتّى أنّنا قرأنا الخميس الفائت سيرة حياتها كلّها في قانون القدّيس أندراوس الكريتي، وذلك كي تَعلموا مدى أهميّة هذه القدّيسة. هناك الكثير الذي يُمكن أن نتعلّمه منها- ولكن الأمر الأهمّ الذي أريد أن أركِّز عليه هو تَذَكُّر الخطايا.

عندما تُجرِّبُنا الخطيئة نَرغَب في أن نُبرّر أنفسنا قائلين: «سأقوم بذلك الآن، فهي ليست بمشكلة، وأعترف بها لاحقًا»، لكن هذا تحديدًا ما يريد الشيطان أن نُفكّر به. قبل أن نَسقط يحاول إقناعنا أنّ الخطيئة التي اقترفناها ليست بالأمر المهمّ، وبعد سقوطنا يحاول أن يقودَنا إلى اليأس بسبب الخطيئة التي ارتكبْناها. لكن كما نرى من خلال حياة القدّيسة مريم المصريّة، ليس للخطيئة فقط تأثير مباشر ومُؤَقَّت- بل آثارها تبقى معنا. فهي عاشت حياة إثمٍ مليئة بالفسق والشهوة لمدة سبعة عشر عام، لكن بعد تَحَوُّلِها المُفاجىء هربت إلى الصحراء لكي تتفادى التجارب التي أحاطت بها، ولتُكرّس حياتها للمسيح بالصلاة والصوم. قضت في الصحراء سبعة وأربعين سنة قبل أن تُقابِل القدّيس زوسيما، التي روت له أنّها طيلة سبعة عشر سنة طاردتها باستمرار ذكريات خطاياها: الطعام الفاخر وشُرب الخمر والأغاني التي اعتادت على غنائها، وخصوصًا أعمال الفُجور التي اقترفَتْها. وقالت إنّ هذه الذكريات والتجارب كانت كالنار الهائجة في داخلها. يقول آباء الكنيسة إنّه حتى عندما نموت، ستتذكّر نَفْسُنا كلّ عمل خاطئ ارتكبناه. هذا تعليم قوي، وقول صعب. مُجَرَّد التفكير بذلك هو أمر مُرعِب. إذا كنّا حقًّا نؤمن بذلك ونحفظه في قلوبنا، فسيكون صعبًا جدًا أن نكرّر ارتكاب الخطيئة. ولهذا السبب تُعلّمنا الكنيسة أن نتذكّر الموت وخطايانا دائمًا.

 ستبقى ذكرى خطايانا معنا، لكن يجب ألّا تَحُطّ من عزيمَتِنا، وألّا تقودَنا إلى اليأس. بل يمكننا فعلاً أن نستخدم هذه الذكرى لِمَنفعتنا. يمكننا تحويل ذكرى خطايانا وجَعْلَها أسلحة روحيّة ضدّ التجارب التي سوف تُواجِهنا. إنّ تذكّر الخطايا وتذكّر الموت مُرتبطَيْن إرتباطاً وثيقًا. إنّ هذه الذكريات ليست إحباطًا، إنّما هي عطايا مواهبيّة من الله. هذا ليس هاجسٌ مَرَضِيّ بالمعاناة والموت. إنّه ليس أمرًا مُخيفًا. لا يجب أن نرتدي ملابس سوداء، ونتسكّع في صالات المآتم بسببه. ولكن عندما نتذكّر آثامنا نفكّر ونتأمل بالعار الذي شَعَرْنا به بعد ارتكابِنا الإثم، وبانفصالنا عن الله نفكّر كيف أنّ خطايانا تؤذينا وتؤذي مَن نُحبّ. يقول القدّيس اسحق السوريّ: إذا تذكّرنا مَعاصينا بهذه الطريقة وشعرنا حقًّا بألم روحيّ من أعماق قلوبنا سنَنتفع كثيرًا، وسيَصعب علينا أن نخطئ عندما نُجَرَّب مرّة أخرى. إذا تذكّرنا آلامنا، سنبذل جهدًا كبيرًا لنتجنّب هذا الألم ثانيةً. كما يُعلّمنا القدّيس يوحنّا السلّميّ أننا عندما نكتسب ذكرى الموت- وهو التأمّل بساعة الموت والدينونة الرهيبة الآتية والإدراك الشامل والفهم العميق أن كلّ ما في هذا العالم ساقط، وأن كلّ الأشياء مُتَّجِهة للموت- فلن نخطئ ثانيةً.

طبعًا إنّنا لا نتكلم هنا عن مُجَرّد معرفة فكرية. كلٌّ منّا يستطيع أن يُسلّم في فكره ما تُعلّمنا الكنيسة عن الموت والخطيئة، لكن هذا لا يكفي لإرشادنا إلى الخلاص. لكن عندما نَتعلّم من خلال الخبرة ونشعر بتجربة فساد الخطيئة والموت الذي يصيبنا، سوف نبتعد عنها من كلّ قلبنا وروحنا وعقلنا وقوّتنا، ونتجّه نحو المسيح. نكتسب قَدَرًا من القوّة الروحيّة عند احتمالنا للتجارب مرارًا، ويصبح أسهل علينا مقاومة الخطيئة مرّة أخرى. في كلّ مرّة نوجِّه ذاتَنا قليلًا نحو المسيح بالتوبة، يأتي إلينا بنعمته ويعطينا القوّة لنتحوّل من الرذيلة إلى الفضيلة. ومع مرور الوقت تنمو قوّتُنا الروحيّة ولا شيء يَمنعنا من أن نُصبح قدّيسين. يظنّ الشيّطان أنّه يستطيع أن يجرّنا إلى أسفل من خلال تَذكيرنا بخطايانا، قوّته مُرتَبِطة فقط بما نسمح له أن يستولي علينا، لكن بإمكاننا أن نَسلُبَه هذه الوسيلة ونستخدمها لمنفعتنا لنتّحد بالربّ يسوع المسيح.

تُنبّهنا حياة القدّيسة مريم المصريّة بأمر هام يجب ذكره. قال لي الأب سرجيوس _ رئيس دير القدّيس تيخُن _ أنه بالرّغم من حُسن تَذَكُّر خطايانا، علينا عدم تذكّرها عندما يتعلّق الأمر بخطايا الزِّنى، بالتالي علينا أن نطرد فورًا من أذهاننا أدنى فكرة وتلميح لمثل هذه الذكريات. يُعلّم الأب سرجيوس المبتدئين أنّه في هذا الصدد أيضًا علينا أن نكون صارمين مع أنفسنا وأن نقطع كلّ أفكار الشهوة النّجسة فورًا. طبعًا، أنا لا أدين العلاقات الزوجيّة التي تُباركها الكنيسة، لكن الخطايا الجنسيّة تشنّ حربًا ضِدّنا. كما تقول القدّيسة مريم أن مثل هذه الذكريات كانت كَنار مُشتعلة في داخلها. إنّ تذكّر الخطايا الجنسيّة تُشعل بسهولة في داخلنا الشهوات ثانيةً. إنّها نار آكلة، علينا أن نَهرب منها. إلجأ إلى المسيح الذي يمنحنا نعمته عندما نبذل جُهدًا كهذا. إنّ شيطان الشهوة الجنسيّة ربما هو الأقوى. يُعلّم الرسول بولس عن هذا النوع من الزنى: «اُهْرُبُوا مِنَ ٱلزِّنَا. كُلُّ خَطِيَّةٍ يَفْعَلُهَا ٱلْإِنْسَانُ هِيَ خَارِجَةٌ عَنِ ٱلْجَسَدِ، لَكِنَّ ٱلَّذِي يَزْنِي يُخْطِئُ إِلَى جَسَدِهِ» (1 كورنثوس 6: 18). لكن الطهارة هي عزيزة على المسيح وعلى أمّه الكليّة النقاوة، فالنقاوة تبدأ بأفكارنا.

لقد حقّقت القدّيسة مريم المصرية الخلاص وهي تَسكن في الفردوس مع الله. إنّها حقًا واحدة من أعظم القدّيسين في الكنيسة بسبب إيمانها الصادق ورغبتها المُتَحَمِّسة بالتوبة، إذ إنّ خطاياها لم تَحُطّ من عَزيمتها. بالنسبة إليها لم يكن تذكّر سَقطاتها إنتصارًا للشيطان، بل كان جزءًا من إنتصارها النهائيّ بالمسيح. إنّني أحثّكم أن تتشجّعوا بها وتحتذوا بمِثالَها. قد يكون لخطايانا عواقب طويلة الأمَد، لكن حتّى هذه يُمكن إعادة توجيهها إلى المسيح. إذا تذكرنا خطايانا والألم الروحيّ التي تسبّبه، وتذكّرنا ساعة الموت والدينونة، وترسّخَتْ هذه الذكريات في أعماق قلوبنا، ستكون حينها الرذيلة بعيدة عنّا والمسيح قريبٌ منّا. تَذكّر خطاياك لكن لا تَيْأس، لأنّ المسيح قد غلب العالم. أُهرب من تذكُّر الشهوات وتحلّى بالعفّة.

بصلوات القدّيسة مريم المصرية، فَلنُعطِ حياتنا للمسيح ولنتغلّبْ على الخطيئة والموت بقيامته التي نسير نحوها بشوق.

 

 

  المرجع

http://orthochristian.com/92559.html 

  

 

 



آخر المواضيع

نحن نَمرض لأنّنا لا نُصلّي قَبل أن نأكل
الفئة : مواضيع متفرقة

القدّيس سيرافيم من فيريتسا 7/2/2019

الحياة الروحيّة هي شيء مُعطى لنا من الآخر
الفئة : مواضيع متفرقة

الأرشمندريت ايميليانوس 6/25/2019

الأرثوذكسيَّة بين التطرُّف والتمسُّك
الفئة : مواضيع متفرقة

نديم سلّوم 6/7/2019

النشرات الإخبارية

اشترك الآن للحصول على كل المواد الجديدة الى بريدك الالكتروني

من نحن

.لقد اتّخذت هذه الصفحة والمجموعة من القدّيس غريغوريوس بالاماس (1296-1359) شفيعًا لها. تعيّد الكنيسة الأرثوذكسية للقدّيس غريغوريوس بالاماس في الأحد الثاني من الصوم الكبير المقدّس وفي 14 تشرين الثاني

إنّ القدّيس غريغوريوس بالاماس هو من أعظم الآباء القديسين المدافعين عن الإيمان والعقيدة وعن التقليد الرهباني والآبائي المعروف بالهدوئيّة. لقد برز القدّيس غريغوريوس في المجمع الذي عُقِد عامَي 1341 و1351 الذي ثبّت عقيدة التمييز بين جوهر الله غير المُدرِك وبين قِوى الله (أي النعمة) الغير المخلوقة التي يشترك فيها الإنسان من خلال الصلاة القلبية (صلاة يسوع) و ممارسة الفضائل ومن خلال الإشتراك بالأسرار الكنسية المقدسة بخاصةٍ المعمودية والمناولة المتواترة. لقد دحض القديس غريغوريوس بالاماس بتعاليمه هرطقات برلعام الكالابري وأكنذينوس المتأثّرَين بمذاهب اللاتين العقلانية.القديس غريغوريوس بالاماس بتعاليمه هرطقات برلعام الكالابري وأكنذينوس المتأثّرَين بمذاهب اللاتين العقلانيّةّ
 

للإتصال بنا