قديس السجون


الراهب موسى

 

مختصر من مقدّمة كتاب "قدّيس السّجون" - بقلم الأب "كيبريان غرودينارو

إلى جانب كلّ الصّراعات الإجتماعية أو السياسية أو العسكرية التي سجّلها التّاريخ، منذ خلق الإنسان هناك حربٌ أخرى تدور، وهي أهمّ بكثير رغم أنّها غير مرئيّة للعين البشريّة، حرب الشّيطان ضدّ الله. ساحة المعركة لهذه الحرب تقع في قلب الإنسان، ونتيجةً لخيار الإنسان ينشأ التّاريخ المدوّن.

تاريخ الكنيسة هو تاريخ اضطهاد واستشهاد من أجل المسيح. استهلّت الإمبرطوريّة الرومانية الاضطهاد في القرن الأوّل، وتابعه من بعدها البرابرة، ومن بعدهم الإمبرطورية العثمانية. غير أنّ القرن العشرين يبقى التّاريخ الأكثر فظاعة في تاريخ المسيحيّة، بسبب الاضطهاد الأكثر دمويّة الذي تحمّلته الكنيسة، أي الاضطهاد الشّيوعيّ.

من وجهة نظر إيديولوجيّة، هدفت الشّيوعيّة إلى بناء عالم خالٍ من الطّبقات الاجتماعيّة، مدّعيةً أنّ ثروات البلاد مُلكٌ لكلّ الشّعب. كان هدف الشّيوعيّة مجتمعًا متساويًا يديره حزب سياسيّ واحد. أكّد الشّيوعيون أنّ سُلطة الدّولة تنتمي إلى العُمّال، بينما في الحقيقة، مثل باقي موارد البلد، كان كلّ شيء حكرًا على مجموعة صغيرة من قادة الحزب. بغضّ النّظر عن الحجج المساندة أو المعادية للشّيوعيّة كإديولوجيا، سوف تظلّ تاريخيًّا تجسيد وجود الشّيطان بين الشّعب. خلق الشّيطان الشّيوعيّة واستعملها كوسيلة لقهر أكبر عدد من النّفوس بسرعة وإلى الأبد.

القتل كَسِلاح سياسيّ وكقاعدة لكلّ "الإنجازات" الشّيوعيّة، يضع حدًّا للحياة. القتّال، كما يسمّيه يسوع (يو8: 44) يريد أن ينتقم من معطي الحياة. العنف والإرهاب اللذان فرضتهما الشّيوعيّة على الشّعب، مقابل المحبّة والإحسان اللذَين يبشّر بهما الإنجيل.الخداع كان الخبز اليوميّ في الشّيوعيّة، إلى جانب الحقد الدّفين تجاه كلّ مَن أو كلّ ما يُذكّر بالمسيح.

أثبتَ التّاريخ أنّ هدف الشّيوعيّة الأعلى - "الرجل الجديد" (فكرة ذات أصل مسيحيّ، لكنّ الشّيطان شوّهها) – كان معاكسًا تمامًا للرجل الجديد الذي يولد مجدّدًا ويُشفى في الكنيسة. رَجُل الكنيسة الجديد هو الذي يفوز بأكبر قدرمن الحرّيّة: الحرّيّة في المسيح التي لا يمكن ضبطها بحواجز الزمان والمكان.

أخيرًا وليس آخرًا، كلّ روّاد الشّيوعيّة من مُنَظّرين وقادة (ماركس، أنغلز، بوير، فويرباخ، تكاسيف، نيسياييف، لينين، ستالين) كانوا تحت سيطرة الشّيطان الجليّة، لدرجة أنّ بعضهم أعلن أنّه متأثّر "بأمير الظلمات"، بينما برهن الباقون عن هذا الوضع في ذهنهم ونفسهم وطريقة تصرّفاتهم.

الأمر الذي لا يمكن نكرانه هو أنّ العبقريّة التي استغلّت الشّيوعيّة لتستعبد أكثر من ثلث سكّان الأرض بهذه السّرعة، العبقريّة صاحبة الأفكار "الكريمة" و"الإنسانيّة" التي جذبت وما زالت تجذب "مفكّرين" معاصرين، لا يمكن أن تنتمي إلى رجل أو مجموعة رجال. إنّها تنتمي إلى المسيح الدّجّال نفسُه الذي بحسب كلّ النّبؤات سوف يكون بادىء الأمر رجلاً نبيلاً، "رجلاً مستنيراً"، يخدم جميع شعوب العالم.

وضع الشّيطان أسس الشّيوعيّة مُقتَرِحًا مرّة ثانية على الإنسان أنّه يستطيع بناء الجنّة على الأرض عن طريق تضامن قوى بشريّة، بمعزل عن الله، (فخّ آدم الأبديّ – تجربة الرجل المفتخر بنفسه: تحقيق الألوهيّة من دون الحاجة إلى الله). يحلم الشّيوعيون بأن يجلب ملكوت السّماوات على الأرض – المكان الذي يستطيع فيه الرجل الجديد (الكامل والمُعاد تأهيله) العيش بشكل أبديّ وبسعادة تامّة.

لذلك، كلّ الذين اختاروا دخول الفردوس باتّباع طريق يسوع المسيح "بالابتعاد عن الخطايا، وبمحاربة الشّرير"، أصبحوا عوائق أمام تحقيق "الهدف العظيم"، وبالتّالي استوجبت إبادتهم. مجرّد وجودهم أصبح مرآة تعكس جنون النّظريّة الماركسيّة.

النظام الشّيوعيّ في رومانيا وأهدافه:

في 23 آب 1944 احتلّت القوّات السوفياتية رومانيا. تمّ ذلك بسبب موافقة ضمنية من الغرب، واتّفاق سرّي بين تشرتشل وستالين على اقتسام مواقع النّفوذ. إحدى أولى المهمّات  التي قام بها السّوفيات هي مساعدة الشيّوعيين في السّيطرة على القيادة السياسيّة في البلاد، عن طريق تزوير انتخابات السّنة 1946 وفرض القادة الأجانب. حلّوا كلّ الأحزاب السياسيّة واعتقلوا زعماءها. وبعد ذلك في كانون الأول 1947، أجبروا الملك ميهاي (ميخائيل) الأول على الاستقالة، وأسسوا الجمهوريّة الشّعبية، معبّدين الطّريق أمام دولة دكتاتوريّة يحكمها حزب واحد. وابتدءًا من السّنة 1947، فُرِضَ الرّعب الشيوعي على البلد بأكمله، وفي السنة 1948 تمّ تأسيس جهاز الأمن الذي دُعي "سيكيوريتات". كانت مهمّته الأساسية تدمير معارضي هذا النّظام نهائيًّا بكلّ الوسائل الممكنة.

السّجن في "بيتشتي" وإعادة التّأهيل:

من بين كلّ سجون رومانيا الشّيوعيّة، كان بيتشتي سجنًا استثنائيّا. أصبح شهيرًا بسبب أعمال الوحشيّة الرهيبة التي كانت تحصل هناك، نتيجة اعتماد هذا الاختبار الشّيطانيّ المعروف بإسم "إعادة التأهيل".

في القسم الأول من العام 1948، على إثر أمر صادر من بوخارست، تمّ تجميع المساجين بحسب سنّهم في وقت الإعتقال. أُرسِل كلّ الطلّاب الجامعيين إلى بيتشتي. كانوا بغالبيّتهم صغيري السّنّ، أُرسِلوا إلى السّجن وحُكِم عليهم سنوات طويلة، بالتّهمة ذاتها: متابعة نشاطات الفيالق، اقتصر ذنبهم على أنّهم حضروا اجتماعات لتشجيع التعليم الأخلاقي والروحي، "لم نجد أنفسنا مذنبين من النّاحية القانونيّة لأنّنا لم نتورّط في أعمال إجراميّة، لم نقتل، لم نسرق، لم نضطهد أحد، غير أنّنا كنّا مذنبين بشيء واحد، وهو القيام بكلّ هذه الأعمال الصّالحة تحت راية منظّمة ممنوعة." (مارين نايديم – أحد السّجناء السّابقين).

في المرحلة الأولى، عاش المساجين في ظلّ نظام متراخٍ نوعًا ما. ولكن بعد فترة وجيزة، تغيّرت الأمور، ووُضِعَ قيد التنفيذ ما يمكن تحديده ببرنامج الإبادة. أصبح الحرّاس صارمين جدًّا، موزّعين العقوبات القاسية على المساجين بسبب إساءات ملفّقة. تدهورت نوعية الغذاء، وكانوا ينالون طعامًا كافيًا فقط لإبقائهم على قيد الحياة، وأضعف الضرب والبرد والجوع قدرة احتمالهم الجسديّة والنّفسية. لم تكن كلّ تلك التّدابير سوى المرحلة التّحضيريّة، لكي يُقمَع بسهولة أكبر المساجين المنهكون عند انطلاق برنامج إعادة التّأهيل.

تمّ جلب مجموعة من المساجين من سوسيافا إلى بيتشتي بقيادة "تسوركانو" الذي أصبح مشهورًا بسبب الجرائم والتّعذيب التي قام بها في بيتشتي وبعدها في غيرلا. انضمّ "تسوركانو" ومساجين سوسيافا إلى الجانب الشّيوعيّ. فاعتبرتهم إدارة السّجن أدوات لتنفيذ "إعادة التّأهيل". يجب التّوضيح أنّ فكرة "إعادة التّأهيل" وُضِعَت على مستوى عالٍ من قيادة وزارة الدّاخليّة، و"تسوركانو" ومجموعته كانوا أساسًا أدوات التّنفيذ. وعندما توقّف البرنامج أعدمتهم الحكومة الشّيوعيّة ذاتها التي خدموها، بينما أولئك الذين كانوا فعلا مذنبين، الذين كانوا في الظّلّ، ظلّوا من دون عقاب.

التعذيب:

بدءًا تمّ توزيع مساجين سوسيافا على كلّ الزنزانات، ليتخالطوا مع الآخرين، فنجحوا في كسب ثقة الباقين بمواقفهم الجيّدة. وبعد مرور فترة من الزّمن، في مطلع شهر كانون الأول 1949، أُعيد جمع مساجين سوسيافا ومساجين آخرين تمّ اختيارهم عن سابق تصميم، ووُضِعوا معًا في زنزانة واحدة. وذات يوم، بلّغ "تسوركانو" وفريقه المساجين الآخرين عن تغييرهم أفكارهم، وعن تخلّيهم عن الفيالق، وأنّه أعيد تأهيلهم واعتنقوا الإيديولوجيات الشّيوعيّة. ونصحوا المساجين الآخرين باتّباع الأمر عينه. لكنّهم واجهوا الاعتراض والسّخرية. فباشر "تسوركانو" وأتباعه الهجوم، مسلّحين بالمكانس والهراوات الخشبيّة، التي خبّأوها مسبقًا تحت الفرش. وفي وقتٍ وجيز، انضمّ إلى "تسوركانو" أركان قيادة السّجن – المدير والمأمورون والحرّاس – وبدأوا بضرب الآخرين الذين رفضوا التخلّي عن الفيالق، بوحشيّة كبيرة. هذه اللحظة سجّلت بدء برنامج "إعادة التّأهيل".

كان التّعذيب يتوقّف فقط عندما يكون السّجين على شفير الموت. تعدّدت أنواع التّعذيب: الضرب، الجوع، إجبار السّجين على البقاء في الوضعيّ ذاتها لفترة 17 ساعة يوميًّا – الرجلان ممدودتان أفقيًّا، واليدان على الركبتَين، والصّدر بوضعيّة 90 درجة. وعند أدنى تمايل، كان المُشرف يضرب السّجين بالهراوة. السّجناء كانوا يُجبَرون على شرب البول وأكل البراز من دلاء كانت تُستَخدَم كمراحيض في الزّنزانات. كانوا يُجبَرون أيضَا على شرب مياه مالحة جدًّا، ثمّ كانوا يُترَكون ليجفّوا من العطش. هذا لم يكن إلّا القليل من التّعذيب الكثير الذي ابتكره عقل المعذّبين المريض.

كان يُطلَب من كلّ واحد تدنيس ذكرى أهمّ شيْ عنده أمام الجميع في الزنزانة. مثلًا إذا أحبّ أحدٌ أمّه أو زوجته بشدّة، كان يُطلّب منه أن ينكرهما، وأن يتكلّم عليهما بأكثر التّعابير فحشًا وإهانة. كان طلّاب اللّاهوت يُجبَرون على نكران الله، وعلى لعن كلّ ما له علاقة بالإيمان المسيحيّ. في عيدَي الميلاد والفصح، كانوا يُجبَرون على إنشاد أناشيد أو تراتيل دينيّة معروفة لكن بكلمات محرَّفة تُدنّس المسيح ووالدة الإله مريم. كانوا يُجبَرون على المشاركة في زياحات تجديف وعلى إقامة "قداديس" مستَعملين مخلّفات بشريّة من دلاء زنزانات السّجن، وكانوا يُجبَرون على ابتلاعها على أنّها "مناولة". و"عُمِّدَ" البعض منهم في مغاطس مليئة بالبراز.

كان يُطلَب من الذين يستسلمون "كشف القناع"، مثلا ان يُخبِروا بكلّ ما لم يعترفوا به أثناء التّحقيق، أن يخونوا رفاقهم الذين ساعدوهم، أو الحرّاس الذين عاملوهم بإنسانيّة. بعد أن "يكشف السّجين قناعه"، من أجل أن يُثبِت أنّه أُعيد تأهيله، كان يُطلَب منه أن يصبح جلادًا بدوره، وأن يُقنِع الآخرين بالتّخلّي عن "كلّ البورجوازية العفنة" وأن يعتنقوا المبادىء الشّيوعيّة. وباستعمال الرعب، كان يتمّ فعلاً غسل أدمغة المساجين.

امتدّ هذا النّظام من بيتشتي، إلى غيرلا، إلى القنال. لكن بسبب تسلّل الأخبار وتصاعد الاستنكارات العالميّة، توقّف اختبار إعادة التأهيل. لو تمّ الحفاظ على سرّيّة هذا الاختبار، لكان تمّ تطبيقه في كلّ سجون البلد.

قال الأب "جورج كالتشو" (سجين سابق في بيتشتي): "أنا أؤمن بأنّ بيتشتي كان اختبارًا شيطانيًّا. الذي حصل هناك كان صراعًا بين الخير والشّرّ، الذي فيه كان المنفّذون والضحايا مجرّد أدوات."

كانت كلمات "تسوركانو" التي حُفِرَت في ذاكرة أحد السّجناء، تدلّ بوضوح على الطّابع الشّيطانيّ لإعادة التّأهيل، إذ قال: "لو مرّ المسيح بين يديّ، لما كان وصل إلى الصّليب. لما قام. لما كان هناك من مسيحيّة، هذه الكذبة الكبرى، وكان العالم يعيش الآن بسلام! أنا تسوركانو! الأوّل والأخير! لم يولد من يستطيع الحلول مكاني. لا أحد يستطيع الكذب عليّ كما أنا أكذب عليكم أيّها الحمقى. أنا هو الإنجيل الحقيقيّ! أنا أكتبه الآن. لديّ شيء أكتبه عليه – جثثكم. ما أكتبه حقيقيّ وليس قصّة ما قبل النّوم للأطفال."

 

نستطيع القول أنّ الشّيطان ربح معركة في بيتشتي، ولكنّه لم يربح الحرب. بالنسبة إلى الأب "كالتشو"، معظمهم عاد إلى المسيح باتّقادٍ أكبر مما كانوا عليه قبل تجربتهم في النّار.

·        الكتاب متوفّر لدى منشورا النور، ودير رئيس الملائكة ميخائيل نهر بسكنتا، ودير رقاد والدة الإله بكفتين – سعر النّسخة 8$

·        كما يمكنكم التّواصل مع إدارة الصفحة عبر المسنجر لمن يودّ الحصول على نسخة.

 

المرجع: "قديس السّجون" – جمعها ودوّنها الراهب موسى

ترجمه إلى العربية الأب د. جورج فريحة

الشّمّاس يوحنا مجاعص

تعاونية النور الأرثوذكسيّة للنّشر والتوزيع – منشورات دير مار ميخائيل نهر بسكنتا



آخر المواضيع

المرأة التي أجهضت 18 مرّة
الفئة : مواضيع متفرقة

2019-08-27

نشيد المحبّة في كورنثوس - نسخة ميلاديّة
الفئة : مواضيع متفرقة

2018-12-20

حول الأحزان
الفئة : مواضيع متفرقة

القديس مكاريوس أوبتينا 2019-07-24

النشرات الإخبارية

اشترك الآن للحصول على كل المواد الجديدة الى بريدك الالكتروني

من نحن

لقد اتّخذت هذه الصفحة والمجموعة من القدّيس غريغوريوس بالاماس (1296-1359) شفيعًا لها. تعيّد الكنيسة الأرثوذكسية للقدّيس غريغوريوس بالاماس في الأحد الثاني من الصوم الكبير المقدّس وفي 14 تشرين الثاني.

إنّ القدّيس غريغوريوس بالاماس هو من أعظم الآباء القديسين المدافعين عن الإيمان والعقيدة وعن التقليد الرهباني والآبائي المعروف بالهدوئيّة. لقد برز القدّيس غريغوريوس في المجمع الذي عُقِد عامَي 1341 و1351 الذي ثبّت عقيدة التمييز بين جوهر الله غير المُدرِك وبين قِوى الله (أي النعمة) الغير المخلوقة التي يشترك فيها الإنسان من خلال الصلاة القلبية (صلاة يسوع) و ممارسة الفضائل ومن خلال الإشتراك بالأسرار الكنسية المقدسة بخاصةٍ المعمودية والمناولة المتواترة. لقد دحض القديس غريغوريوس بالاماس بتعاليمه هرطقات برلعام الكالابري وأكنذينوس المتأثّرَين بمذاهب اللاتين العقلانيّة.

للإتصال بنا