اللِّباس الإكليريكي اللَّائق


إعداد نديم سلوم

كثيرًا ما نسمعُ بعض الإخوة يطرحون الأسئلة التَّالية في ما يتعلَّق بثياب الإكليروس: لماذا يتوجَّب على الكاهن في الكنيسة الأرثوذكسيَّة ارتداء الثّياب المخصَّصة للسِّلك الإكليريكي، خارج خدمته الكهنوتيَّة؟ أليس هذا بسبب تأثير الدَّولة العثمانيَّة التي طالبت الكهنة أن يلبسوا مثل الرهبان؟ بالإضافة إلى ذلك، ألَم يظهر هذا اللِّباس نتيجة التأثُّر بالعثمانيين؟ وأكثر من هذا، أليس المهم هو داخل الإنسان وليس خارجه، أي نقاوة القلب، لا ما يكسو به جسده أو الحركات الليتورجيَّة التي يمارسها؟

يشرح الأب توما (بيطار) في ثلاث نقاط أهميَّة اللِّباس اللَّائق في حياة الكاهن[1]:

أولاً، إنّ اللِّباسَ لغةٌ، تُعبِّر عن هويَّة الكاهن. إنّنا نُميِّز الكاهن من لِباسه، كما نُميِّز عناصرَ شرطةِ المرور من لِباسهم. يتغيَّر تصرُّف المرء أمام الكاهن المرتدي الغمباز والجبَّة، من كاهنٍ آخر مُرتَدٍ لباسًا مدنيًا.

ثانيًا، إنّ اللِّباسَ مرآةٌ، يَبين فيها وعي المرء لذاتِه ونظرتِهِ لِنَفسه. الإكتفاءُ باللِّباسِ المدني مؤشِّرٌ على أنَّ الكاهن يسلُكُ بحسب ما يوافق روحيَّة هذا الدَّهر... حيث أصبحت النَّظرة إلى الكهنوت نظرةً وظيفيَّة أو نظريَّة، وليس إشعاعًا إلهيًا وخدمةً سماويّة.

ثالثًا، إنّ اللِّباسَ الكهنوتي يُؤمِّن الحمايةَ للكاهن. إنَّه مُذكِّرٌ دائمٌ له، بتكريس حياتِهِ وخِدمتِهِ وخُضوعِهِ للمسيح وكنيستِه، لا لنفسه.كما أنَّ من المفترضِ أن يكون اللِّباسُ الكهنوتي مُعينًا على التَّوبة، والتقشُّف والنُّسك. إنَّ الكاهنَ إيقونةٌ مباشرةٌ لله، في أهلِه وبين رعيَّتِه، حتَّى لا يسلك في نسطورية السِّيرة، فيُقيم في اللَّاهوت من جهة علاقته بالله، وفي الناسوت، من جهة علاقته بالناس.

ينصُّ القانون 27 من مجمع ترولو سنة 692م على التَّالي: "لا يلبسنَّ المنضمُّون إلى السِّلك الإكليريكي ثيابًا لا تليق بهم، سواء أكانوا مقيمين في المدينة أو كانوا في سفر على الطِّريق. بل يجب أن يلبسوا دائمًا الثِّياب المخصَّصة للسِّلك الإكليريكي، وكلُّ من خالفَ هذا القانون، فليُقطَع لمدَّةِ أسبوع". يشرح القدِّيس نيقوديموس الآثوسي هذا القانون بأنَّ على الإكليريكيين التمسُّك بالخَفَر والعفَّة واللَّياقة في كلِّ شيء، عليهم أن لا يرتدوا لباسًا فاخرًا دنيويًا، بل لباسًا بسيطًا. الغايةُ من هذا القانون هو مراعاةُ الحشمةِ والوقار حتَّى في المظهر الخارجي. كلُّ لباسٍ لا ضرورة عمليَّة له، أو هو ضرورة تجميليَّة، من شأنه أن يُسهِم في دينونتنا.[2] أمَّا القدِّيس باييسيوس الآثوسي، فيروي هذا المثل في إجابته عن موضوع نزِع جبَّة الكاهن: تأمَّل شجرتَين من الزَّيتون. إحداهما مورقة والثَّانية دون أوراق. أيَّهما تروق لك؟ يتابع، عندما كنتُ في قلَّاية الصَّليب الكريم، نزعتُ لِحاء شجرة زيتون كانت في الفناء وكتبتُ "الشجرة نزعت ثوبها وسنراقب تطور نموها".[3]

أمّا بالنسبة للقول بأنَّ الثياب الإكليريكيَّة لها جذور عثمانية، فهذه سخافة تاريخيَّة. رأينا كيف القانون 27 من مجمع ترولو قد فرضَ لباسًا معيَّنًا للسِّلك الإكليريكي. أمَّا بالنِّسبة للحقبة العثمانيَّة، لسنا نحن من تأثَّرنا بالأتراك، بل الأتراك هم من تأثَّروا بنا. ثيابُنا الكهنوتيَّة قد سبقت مجيءَ الإسلام، الذين هم من أخذوا ثيابهم من آباء الصَّحراء المنتشرين في كافَّة الأماكن التي انتشروا فيها. بالتَّالي، تأثَّر رجال الدين المسلمين بآباء البرِّيَّة من حيث اللِّباس (الجبَّة والغمباز والسّكوفة...) وبناءُ المساجد والمآذن...[4]

في الأرثوذكسيَّة، ليس هناك من فصل بين داخل الإنسان وخارجه. فالإثنان يُكمِّلان بعضهما. كلُّ كلامٍ عن فصلِ ما بداخل الإنسان عن خارجه، هو من نِتاج البروتستانتيَّة. يرفض البروتستانت تقليد الكنيسة، وبما أنَّ الغمباز والجبَّة من تقليد الكنيسة، فبالتَّالي يرفضونهما. لا يوجد في الكنيسة فصل في الممارسات لدى أعضائها. فالاحتفال بالمظاهر الدينيَّة على رؤوس الجبال، يُساوي الإهتمام بالمساكين والمعوَّزين. الإثنان يُكمِّلان بعضهما.

ختامًا، المهم هو أن يساعد الخارج في تقشُّف الدَّاخل، في العفَّة، في المعاينة الدَّاخلية، في الصَّوم والصَّلاة. الثَّوُب يغطِّي الجسد، يعطي الكاهن الفرصة، يساعده على التحوُّل من اهتمامات الجسد إلى اهتمامات القلب، إلى حياة التَّوبة.

 


[1]  بيطار، توما (الإرشمندريت). نقاط على الحروف، الجزء الأوَّل. ص272.

[2]  الآثوسي، نيقوديموس (القديس). نصائح أو إرشادات روحية في حفظ الحواس الخمس. ص95.

[3]  الآثوسي، باييسيوس (القديس). بمحبة مع ألم. ص266.

[4]  http://orthodoxinfo.com/praxis/clergy_dress.aspx

 



آخر المواضيع

كيف يُطهّر الله الخطأة التّائبين
الفئة : مواضيع متفرقة

2019-11-22

المرأة التي أجهضت 18 مرّة
الفئة : مواضيع متفرقة

2019-08-27

نشيد المحبّة في كورنثوس - نسخة ميلاديّة
الفئة : مواضيع متفرقة

2018-12-20

النشرات الإخبارية

اشترك الآن للحصول على كل المواد الجديدة الى بريدك الالكتروني

من نحن

لقد اتّخذت هذه الصفحة والمجموعة من القدّيس غريغوريوس بالاماس (1296-1359) شفيعًا لها. تعيّد الكنيسة الأرثوذكسية للقدّيس غريغوريوس بالاماس في الأحد الثاني من الصوم الكبير المقدّس وفي 14 تشرين الثاني.

إنّ القدّيس غريغوريوس بالاماس هو من أعظم الآباء القديسين المدافعين عن الإيمان والعقيدة وعن التقليد الرهباني والآبائي المعروف بالهدوئيّة. لقد برز القدّيس غريغوريوس في المجمع الذي عُقِد عامَي 1341 و1351 الذي ثبّت عقيدة التمييز بين جوهر الله غير المُدرِك وبين قِوى الله (أي النعمة) الغير المخلوقة التي يشترك فيها الإنسان من خلال الصلاة القلبية (صلاة يسوع) و ممارسة الفضائل ومن خلال الإشتراك بالأسرار الكنسية المقدسة بخاصةٍ المعمودية والمناولة المتواترة. لقد دحض القديس غريغوريوس بالاماس بتعاليمه هرطقات برلعام الكالابري وأكنذينوس المتأثّرَين بمذاهب اللاتين العقلانيّة.

للإتصال بنا