الأرثوذكسيّة والآباء القدّيسون


الأرشمندريت غريغوريوس اسطفان

عن نشرة الكرمة العدد 39

24 أيلول 2017

كنز الأرثوذكسيّة محفوظ في آبائها القدّيسين، الّذين يمثّلون تعليم الكنيسة الصحيح المسلّم من الرسل، الّذين حدّدوا تعليمها العقائديّ ووَضَّحوه. هؤلاء علّموا الإيمان ليس فقط كما تعلّموه إنّما، أيضًا، كما عاشوه بالخبرة الحيّة.

لماذا آباء الكنيسة هم جزء لا يتجزّأ من حياة كنيستنا الأرثوذكسيّة؟ ولماذا نعتبرهم معيار سلوكنا في الحقّ؟.

الآباء الأوّلون كانوا الأساقفة، كخلفاء للرّسل واستمرار قانوني لقيادتهم للكنيسة ولتعليمهم ولبشارتهم ودفاعهم عنها ضدّ الهرطقات، التي بدأت تظهر مع ظهور الكنيسة.

لاحقًا، أخذت هذه التسمية مدًى أوسع، إذ أخذت تُطلق على كلّ من يحمل فكر هؤلاء الآباء الرسوليّ، ويحفظ الإيمان الأرثوذكسيّ بكلّ نقاوته ويستبسل في التعليم والدفاع عن عقائد هذا الإيمان المقدّسة. كثيرون، اليوم، يدّعون الأبوّة والتعليم في الكنيسة، بمجرّد شرطونيّتهم أساقفة وكهنة.  هؤلاء جميعهم أساقفة وكهنة قانونيّون، لكن ليسوا آباء إلّا بمقدار أمانتهم المطلقة لعقائد الكنيسة، كما فسّرها وعلّمها أولئك الّذين اتّخذتهم الكنيسة آباء لها.

كيف يصير أبًا من لم يكن ابنًا حقيقيًّا، في الفكر والرّوح، لآبائه؟

كيف يكون أبًا من ينقض تعليم آبائه، مستندًا إلى فكره الخاصّ، أو متعلّلاً بتغيّر الزمان وظروف العصر؟

تغيّر الزمان وظروف العصر ليس ميزة خاصّة بهذه الحقبة، إنّما عاشته الكنيسة في كلّ عصورها. أن نصير آباءَ يعني أنّ الرّوح عينه الذي عمل في الآباء يعمل فينا أيضًا. الرّوح لا يُناقض نفسه، وما علّمه من ألفَي عام يعلّمه في عصرنا الحاضر. الرّوح هو نفسه وتعليمه لا يتغيّر.

نحن نضعف ونخاف فنتغيّر وننحرف ونسقط في فكر هذا الدهر ونتبع روح هذا العصر. كثيرون، في أيّامنا، يروّجون لفكر هذا العصر، أو عصرنة الكنيسة، عبر تقبّل أفكار، هي في العمق هرطوقيّة، ضدّ الإيمان وضدّ تعليم الكتاب المقدّس، ككهنوت المرأة، واعتبار المثليّة الجنسيّة حالة طبيعيّة لا انحرافًا أو مرضًا، والحوارات المسكونيّة التي تُجيز نقض العقائد والتلاعب بالقوانين الكنسيّة، وإباحة الأسرار المقدّسة لغير الأرثوذكسيّين، والمناداة بتخفيف الصلوات والأصوام وغيرها.

بالطبع التدبير موجود في الكنيسة وضروريّ، لكنّ التدبير لا يمكن أن يُطبّق على مواضيع الإيمان والأسرار إطلاقًا. الدقّة المطلقة في تطبيق العقائد هي وحدها الحالة التي باركتها الكنيسة وسارت عليها في كلّ تاريخها.  لقد أهرقت دماء كثيرة في كلّ العصور حتّى وصل إلينا هذا الإيمان الأرثوذكسيّ بهذه النقاوة، ونحن اليوم نستهين به ونحرّفه وننقضه، بحجّة أنّنا في عصر يتطلّب التغيير.

ألم تكن العصور المتعاقبة تتغيّر في الأزمنة التي عاش فيها آباؤنا القدّيسون؟ لو عملوا ما نعمل في زمننا الحاضر أما كنّا اليوم آريوسيّين أو نسطوريّين أو غيرهما من الهرطقات التي لا تُحصى، التي ما زالت آثارها موجودة إلى يومنا، وهي تقودنا إلى الهلاك الأبديّ؟ بالطبع، إنّ هذا لن يحصل أبدًا، لأن الله يعتني بكنيسته وهو يجد دائمًا شاهدين للإيمان الواحد الحقّ وشهداء له.

من الثابت أنّ أولئك الذين يغيّرون القوانين ويريدون عصرنة الكنيسة هم الّذين لا يملكون أيّة خبرة، ولو بسيطة، في الحياة الروحيّة الأرثوذكسيّة.  حياتهم ليست سوى تقبّل نظرّيات معاصرة دون أن يبذلوا أيّ جهد أو تعب في الجهاد الروحيّ للوصول إلى خبرة حيّة مع الله.  وما يُنادون به سيقود الكنيسة حتمًا إلى الإلحاد، كما حصل للكنيسة في الغرب، نتيجة استسلامها لروح العولمة الدهريّة وتنازلها لمتطلّبات العصر (وهذا لا يحصل إلا بتخلٍّ مُسبق من الله نتيجة الانحراف في الإيمان المقدّس). أمثال هؤلاء، المتّكلون على استعلاء فكرهم ومنطقهم البشريّ، لا على خبرة حياتهم مع الله، يحرّكهم تكبّر مقيت يقودهم إلى عمًى روحيّ، نتيجته معرفة مشوّهة وغير صحيحة لكلّ تعليم الآباء القدّيسين.  من تواضع وجاهد، لغلبة حركة الأهواء الفاسدة التي فيه، يستنير حقًّا بالنعمة الإلهيّة ويفهم بالخبرة عقائد الكنيسة، ويفهم أنّ كلّ تغيير أو أقلّ تنازل يطال الإيمان هو حتمًا من الشيطان عدوّ الحقّ. الضمانة الوحيدة للسلوك في الحقّ والخلاص تكمن في الأمانة لتقليد الكنيسة ولكلّ ما تسلّمته. عظمة آباء الأرثوذكسيّة، الّذين أتوا من كلّ العصور، تكمن في هذه الوحدة الرائعة التي تجمعهم في الفكر والتعليم ورفض كلّ ابتداع أو انحراف أو تغيير في مواضيع الإيمان والعقيدة.

تحتاج الكنيسة دائمًا إلى آباء يعمل الرّوح القدس فيهم؛ وفي كل عصر كان الله يُرسل آباءَ فعلة لحصاد كنيسته، يحفظون الكنيسة في الحقّ، في وجه أولئك الّذين يخافون الاضطهاد، فيستسلمون لروح العصر الشرّيرة ويخضعون بسهولة لها.  صغار النفوس يساومون على الإيمان الأرثوذكسيّ خوفًا من مواجهة سلاطين هذا الدهر.

هذه هي ميزة آبائنا: خافوا من الهرطقة ودينونة الله أكثر من خوفهم من اضطهاد البشر، فاقتنَوا روح الله القدّوس بقوّة إيمانهم وصلابة موقفهم في مواجهة روح العالم الشرّير.

إن كنّا أمناءَ لفكر آبائنا فنحن أبناءٌ أنقياءُ للكنيسة، وإن عارضناهم، بحجّة تغيّر ظروف العصر، فنحن أولاد زنًى، نولد، لا من الرّوح الواحد المتعاقب في آبائنا، إنّما من روح هذا الدهر الفاسد المتغيّر بدون توقّف، وتعليمه المسمَّمِ "بالمعرفة الكاذبة الاِسم" (1تيم 20:6)، والمريضِ بالعظمة واستعلاء الفكر.



آخر المواضيع

الطّاعة وتقليد الرّسل
الفئة : عظات اﻷرشمندريت غريغوريوس اسطفان

الأرشمندريت غريغوريوس اسطفان 04/07/2019

عظة الأرشمندريت غريغوريوس رئيس دير رقاد والدة الإله – بكفتين
الفئة : عظات اﻷرشمندريت غريغوريوس اسطفان

الأرشمندريت غريغوريوس اسطفان 26l5l2019

عظة فصحيّة للأرشمندريت المتوحّد غريغوريوس رئيس دير رقاد والدة الإله بكفتين
الفئة : عظات اﻷرشمندريت غريغوريوس اسطفان

الأرشمندريت المتوحّد غريغوريوس إسطفان 30/04/2019

النشرات الإخبارية

اشترك الآن للحصول على كل المواد الجديدة الى بريدك الالكتروني

من نحن

لقد اتّخذت هذه الصفحة والمجموعة من القدّيس غريغوريوس بالاماس (1296-1359) شفيعًا لها. تعيّد الكنيسة الأرثوذكسية للقدّيس غريغوريوس بالاماس في الأحد الثاني من الصوم الكبير المقدّس وفي 14 تشرين الثاني.

إنّ القدّيس غريغوريوس بالاماس هو من أعظم الآباء القديسين المدافعين عن الإيمان والعقيدة وعن التقليد الرهباني والآبائي المعروف بالهدوئيّة. لقد برز القدّيس غريغوريوس في المجمع الذي عُقِد عامَي 1341 و1351 الذي ثبّت عقيدة التمييز بين جوهر الله غير المُدرِك وبين قِوى الله (أي النعمة) الغير المخلوقة التي يشترك فيها الإنسان من خلال الصلاة القلبية (صلاة يسوع) و ممارسة الفضائل ومن خلال الإشتراك بالأسرار الكنسية المقدسة بخاصةٍ المعمودية والمناولة المتواترة. لقد دحض القديس غريغوريوس بالاماس بتعاليمه هرطقات برلعام الكالابري وأكنذينوس المتأثّرَين بمذاهب اللاتين العقلانيّة.

للإتصال بنا